الحكم الذي أصدرته مؤخرا محكمة القضاء الإداري والتى حكمت في جلسة عقدتها يوم الثلاثاء 4-4-2006 بحق البهائيين في تسجيل ديانتهم في أوراقهم الرسمية ومنع إجبارهم تسجيل أنفسهم كمسلمين . . هو حكم يسىء إلى تاريخ وسمعة القضاء المصري الشامخ الذي يستمد قوانينه من دستور البلاد وعقيدة شعبه .. الذى يدين غالبيته بالإسلام وأقليته بالنصرانية .. وكلتا الديانتين يرفضان تماما الإعتراف بالبهائية المشبوهة وذات الصلات الوثيقة بالصهيونية العالمية .. ولا أعرف حقيقة على أى أساس قانوني أصدرت المحكمة حكمها المشار إليه .. وهل يقبل أحد من المسلمين فى مصر بل فى العالم الإسلامي كله .. أن يصدر حكما من محكمة مسلمة بأحقية ديانة تزعم أنها ناسخة للإسلام ومهيمنة عليه .. وتدعو إلى جملة من المبادىء الهدامة ، وتقوم ديانتها فى الأساس على تفسير آيات قرآنية تفسيرا منحرفا ، يفتح لها الطريق على مصراعيها لإدعاءات كاذبة بنبوات جديده وعقائد جديدة وتشريعات جديدة تتعارض مع الإسلام .. ومخالفا بذلك فتوى الأزهر الشريف وفتاوي المجامع الإسلامية فى شتى بقاع الأرض باعتبار البهائي كافر مرتد عن الإسلام وحكمه فى الشريعة القتل لقوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه .
إن هذا الحكم الغريب والشاذ .. يضع مصر كلها حكومة وشعبا فى حرج كبير .. ويقحم أنفه فى مجالات عقدية ودينية لاقبل له بها .. ولاهو مهيئ لها .. فالقاضي ليس فقيها بالضرورة .. ومجال عمله يختلف كثيرا عن مجال عمل الفقيه .. ومثل هذا التدخل القضائي السافر فى أمور عقدية من شأنها أن تهدر من قدسية القضاء لأن الناس حينما يواجهون حكما قضائيا يتعارض مع مبادىء دينهم فسوف ينحازون قطعا إلى أقوال أئمتهم وفقائهم .. ولن تساوى مثل هذه الأحكام الخاطئة التى تخالف شريعة الإسلام قيمة الورق التى كتبت عليه .
ونفس الشىء أقوله بالنسبة للحكم القضائي الذى صدر بأحقية زواج النصراني أو النصرانية بعد الطلاق مخالفا بذلك تعاليم الكنيسة المقدسة عند أهلها .. وفعلا فالذي حدث أن البابا ورجال الدين النصراني خرجوا جميعا مستنكرين هذا الحكم الذى أقحم نفسه فى دائرة ليست من اختصاصه .. ووضعت جموع النصارى ماعدا المنتفعين من الحكم فى حرج شديد ولم تحل مشكلة أصحاب القضية .. لأنهم أقاموا الدعوى لينالوا حكما كنسيا بالزواج الحلال وفقا لديانتهم .. وليس لمجرد الإرتباط بآخرين والذى لايحتاج أصلا إلى حكم قضائي .. ومادام هذا الحكم القضائي لن يرضخ له رجال الكنيسة فيصبح الحكم كأن لم يكن .
أن كثيرا من القضايا التى ترفع على رئيس الدولة أو تلك ترفع لإبطال قرارات سيادية .. يحكم فيها القضاء عادة بعدم الإختصاص .. فلماذا لايحكم فى مثل هذه القضايا التى تتعلق بالعقائد وبالفقه بعدم الإختصاص لاسيما وأن كثيرا من القضاة ليسوا مؤهلين للخوض فى مثل هذه الأمور .
ثم لنا أن نسأل سؤالا بريئا .. لماذا نشعر أحيانا أن بعض الأحكام القضائية التي تصدر تتأثر كثيرا بالظروف الخارجية وباتجاهات محلية وعالمية .. فمثل هذا الحكم كان من المستحيل أن يصدر فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذى أغلق المحافل البهائية لصلتها المباشرة وغير المباشرة بالصهيونية ، بل إنه يتعارض أيضا مع حكام قضائية نهائية حكمت بإدانة البهائية والحكم علي معتنقيها بالسجن ولعلنا نذكر قضية الفنان بيكار ؟؟
أما الشىء الذى يثير الحزن والقلق حقا .. هو الإتجاه الثقافي والفكري الرسمي وغير الرسمي إلى مساواة الإسلام بغيره من الأديان المنتسبة إلى السماء والتي لحقها التحريف والتبديل ونص القرآن الكريم صراحة على كفر أتباعها .. مع منحهم الكثير من الحقوق والواجبات .. واهدار قيمة الإسلام كدين مهيمن وناسخ لغيره من الرسالات السابقة .. تحت وطأة الفتنة الطآئفية ورضوخا لقرارات وضغوط محلية وعالمية .. فأصبح الإسلام يقدم وكأنه نسخه مكررة من الرسالات السابقة .. وأهدرت العديد من الآيات القرآنية التى تؤكد على حقيقة كون الإسلام هو دين الله الخالد من لدن آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة .. وعلى كفر كل من يدين بغير الإسلام الذى جاء ليصحح ويغير عقائد البشر أجمعين بعد أن حرفت وخرجت عن مسارها الصحيح .. ولم يأت ليصطلح معها أو يجاملها ، والمصيبة ليس فى أن يصدر مثل هذا الهراء من أهل الديانات الأخرى فهذا أمر منطقي .. لكن المصيبة أن يصدر هذا الكلام من أهل الإسلام أنفسهم بل من بعض علماء الإسلام .. واليوم تأتي البهائية وبفضل الحكم القضائي الموتور لتقف جنبا إلى جنب مع الإسلام .. وليترك لأهلها الحرية فى أن يعيثوا فى الأرض فسادا .. والغريب أن يحدث هذا وأن يتقهقر الفكر والعقيدة الإسلامية .. فى زمن نجح فيه الإسلاميون فى الوصول بأعداد كبيرة إلى البرلمان .. وفى زمن كثرت فيه الفضائيات الإسلامية .. وذاع فيه صيت كثير من العلماء والدعاة .. ومع ذلك لم نسمع حتى منهم تعليقا ولا ردود فعل تتناسب مع خطورة هذا الحكم المخالف لشريعتنا فى الوقت الذى نرى فيه المظاهرات وحملات الإحتجاجات تندلع لأسباب سياسية أقل أهمية وخطورة من هذا الحكم الخاطىء .
وياقضاة مصر .. ارفعوا أيديكم عن عقائدنا حتى لاتكون فتنة ويكون الدين لله وحتى لاتكون معركتكم القادمة مع الشعب نفسه ومع مؤسساته الدينية .
والله من وراء القصد .

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق