الليل لن ينجلى قريبا عن تركيا والشرق



| لايشك عاقل فى أن توالى الأحداث فى تركيا على هذا النحو المؤسف .. لم يكشف الوجه القبيح للعلمانية فحسب .. بل أكد على عدة حقائق هآمة أهمها أن العداء العلمانى للإسلام سيظل العقبة الكؤود فى سبيل الإستقرار و إقامة حياة ديمقراطية سليمة .. وما يحدث فى تركيا .. يحدث فى مصر .. ويحدث فى الجزائر .. ويحدث فى العديد من الدول التى تعانى من سيطرة النخب العلمانية التى زرعها الإستعمار .. والتى زرعتها الماسونية العالمية فى البلاد .. والعداء العلمانى للإسلام واحد فى كل تلك الدول .. لكن الإختلاف فقط ربما يكون فى الدرجة .. أوفى الأسلوب المتبع فى خداع الشعوب والسيطرة على مقاليد الأمور .. !! 

| والذين كانوا يحلمون بإمكانية التعايش السلمى بين النخب العلمانية .. والقوى الإسلامية التى تمثل بلا أدنى شك الإختيار الإجتماعى الحر للشعوب .. والذين كانوا يطالبون بإقامة حوار علمانى إسلامى فى محاولة لتقريب وجهات النظر .. فى سبيل حياة أكثر استقرار .. وتجنب ويلات العنف والإرهاب .. قد تبددت آمالهم .. مع انهيار المحاولات الديمقراطية فى تركيا .. رغم وجود أحزاب حقيقية .. ففشل شخصية مثل نجم الدين أربكان .. بما يمثله من قمة أخلاقية سامقة ، و من حنكة سياسية ودبلوماسية ، وزعامة حقيقية ، وطموحات واسعة ، وثقافة مرنة إلى حد بعيد ، وسلوكيات رجل يعيش عصره ويتحدث بلغته .. فشل رجل مثل أربكان فى اقناع عسكر الترك بالمشاركة السياسية فى حكم ديمقراطى حر .. ليس له إلا معنى واحد .. وهو استحالة التعايش السلمى بين العلمانيــة والإسلام .. !! 

| والعلمانية والعلمانيون فى الشرق تاريخهم أسود ألف مرة من العلمانية والعلمانيين فى الغرب .. وإذا كانت علمانية الغرب قد أنتجت ثورة علمية وتكنولوجية هائلة فى مجالات البحث العلمى .. وأرست نظاما ديمقراطيا حقيقا أصبح حلم الشرقى الذى يصبو إليـه .. فإن العلمانية فى الشرق لم تنتج شيئا يذكر .. اللهم إلا تقليدا ممسوخا لفلسفات عقيمة لاروح فيها ، وبحوث عقلية فاسدة حول قضايا الدين والحياة من تلك التى تعرض للإنسان فى أوقات الراحة والتى لاهدف منها إلا إشاعة الكفر والإلحاد لاأكثر ولا أقل .. كما لم تكن سوى تقليدأعمى لفنون هدآمــة لاهدف لها إلا التسلية والمتعة و مخاطبة الغرائز وتغييب وعى الشعوب .. هذا هو جل ما يستطيع العلمانـى فى الشرق تقديمه لشعبه .. كفر وإلحاد وإباحية .. فى الوقت الذى كرست فيه تلك العلمانية السوداء لديكتـاتوريات مستترة ومعلنة .. مازال الإنسان الشرقى يرزح تحت نيرها !! 

| علمانيــة الشرق ليست سوى مذهب تخريبي للأديان .. وهذا ماكشف عنه بجلاء عسكر الترك .. الذين سارواعلى نهج أتاتورك المتعصب .. لقد بلغ من تعصب أتاتورك وكراهيته للإسلام أنه حينما تبين لأتباعه أن القانون السويسرى الذى احلوه محل الشريعة .. يمنع الزواج بين الأخوة فى الرضاعة .. استنادا إلى اجتهادات كنسية .. شأنه فى ذلك شأن الشريعة الإسلامية .. عرضوا الأمر على الطاغية العلمانى الكافر .. فغضب لهذا التماثل .. مما دفع ناقلى القانون إلى إلغاء الحظر .. وأصبح من حق التركى أن يتزوج اخته فى الرضاعة .. ورغم هذه النفسية المريضة لطاغية تركيا .. إلا أن العلمانيين هناك .. بل وفى كل مكان فى الشرق .. يعتبرون الرجل قدوتهم .. ويسلكون نفس الفلسفة المريضة فى التعامل مع كل ما يمت للقرآن بصلة .. ويكفى لأدراك هذه الحقيقة أن تقرأ القرارات التى أصدرها جنرالات الجيش هناك لإجبار حكومة أربكان والشعب على نبذ كل ما هو اسلامى .. والحجة الجاهزة هى مكافحة الإرهاب والأصولية .. وهى نفس الحجة التى يتم بها تجفيف الينابيع الإسلامية ومحاربة أى تجمع اسلامى يريد أن يعمل وفقا للقانون السائد .. وأظن أن تتبع مظاهر التخريب الدينى وموجات الإلحاد والإباحية التى تخوض غمارهاكل القوى العلمانية فى تركيا أو الجزائر أو مصر أو غيرها من البلدان .. يستغرق منا الكثير الذى لايتناسب مع هذه العجالة !! فضلا عن أنه معروف ومشاهد .. فى الوقت الذى استطاعت فيه اسرائيل أن تجعل من القوى الدينية ومن مظاهر التدين الركيزة الأساسية لتبرير كل جرائم الإحتلال والإستيطان .. واستطاعت العلمانية هناك توفيق أوضاعها مع القوى الدينية الأشد تطرفا ، وفى الوقت الذى تتصالح فيه العلمانية الغربية مع المؤسسات الدينية هناك .. وتتنامى حركة مثل الأصولية المسيحية بما تمثله من ثقل مؤثر بل ومهيمن على مجالات كثيرة لعل أهمها ضرورة انتماء أى رئيس أمريكى لتلك الحركة الدينية لأكبر دليل على ذلك !! 

| والعلمانية ليست تخريب دينى فحسب .. بل هى أيضا وبنفس الدرجة تخريب للأوطان أيضا .. فالعلمانيون رغم أنهم أكثر من يتحدث عن الوطن والوطنيـة .. إلا أنهم على استعداد دائم بالتضحية بآخر مواطن فى سبيل استمرار استيلائهم على مقاليد الحكم .. والعلمانيون أيضا ورغم أنهم يتحدثون كثيرا عن حتمية الحكم بالديمقراطية .. إلا أنهم ليسوا على استعداد للتخلى عن السلطة ولو سالت الدماء انهارا وأودية .. فهم فى الحقيقة الأعداء الحقيقيون للحريــة .. وهم دائما الذين يعملون ضدإرادة الجماهير .. والمكذب يدلنى فقط على نموذج واحد لنخبة علمانية فى الشرق .. لم تستولى على السلطة بالقوة .. وليدلنى كذلك على نموذج واحد لنخبة علمانية فى الشرق على استعداد لتداول السلطة مع غيرها من أصحاب الأيدلوجيات المختلفة نزولا على إرادة الجماهير .. لن تجد أبدا !! 

| والعلمانيــون فى الشرق خونة للدين وللوطن .. أما خيانتهم للدين فمشهورة ويكفى نظرة عابرة للتوجهات السياسية والإقتصادية و الثقافية والإعلامية والتعليمية والأمنية السائدة ، وأما خيانتهم للوطن .. فيكفى أنهم مجرد دمــي فى أيدى القوى الإستعمارية .. أو أحجار على رقعة شطرنج .. وسيرتهم وسلوكهم واستعدادهم للتعاون بإخلاص مع القوة الإستعمارية .. صليبية أو صهيونية حتى فى وقت استعمار البلاد واحتلال الوطن والمقدسات ، ولو فى مواجهة شعوبهم .. تحت مزاعم وحجج واهية كمواجهة الإرهاب العالمى .. ولعل التعاون التركى الصهيونى العسكرى لإحراج أربكان وتطويق التجربة الديمقراطية ومحاصرة البلاد الإسلامية المجاورة لأكثر الأمثلة فجاجة على هذا الإستعداد التآم للخيآنة ؟؟ 

| إن الخاسر الأول وربما الوحيد فى المعركة بين العلمانية والإسلام فى تركيا والجزائر ومصر والشرق .. هى الشعوب التى تدفع وحدها الثمن .. ولاأظن بالمقاييس البشرية أن الليل سينجلى سريعا عن الشرق .. فكل يوم يتأكد لدينا صدق ماقاله المستشرق الأمريكى الذى عاش فى بلاد الباكستان .. (( أنه من الممكن أن تصبح مثل تلك البلاد لادينية ، و لكن من المحال أن تكون ديمقراطية ... كما أنها من الممكن أن تكون ديمقراطية .. ولكن من المحال أن تكون مع ذلك لا دينية )) وتلك حقيقة يثبتها الواقع كل لحظة !! 

والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته ، 

بقلم : محمد شعبان الموجــى
TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *