استثمار الأحزان والرد على الأستاذ زهران !!




مغالطات تاريخية 

يبدأ الأستاذ فريد زهران مقاله عن الإضطهاد الدينى للأقباط فى مصر ( أحرار الثلاثاء 23/12/1997 ) بمغالطة تاريخية.. مـسايرا فى ذلك بعض المتعصبين الجهال الذين يستثمرون المحن والمصائب التى تقع على كاهل الشعب المصرى فى فترات الإضطهاد والظلم ، و يلوون أعناق الأحداث التاريخية للإيهام بإن تاريخ الإسلام مشابه لتاريخ النصرانية فى التعصب ضد الأقليات .. فيقرر فى أول مقاله (( أن التاريخ - الذى يصر البعض بكل تعسف على تزويره - يروى لنا الكثير عن العديد من ثورات المصريين الأقباط أثناء عصر الولاه أى أثناء القرن الهجرى الأول وهى الثورات التى كان يتم سحقها بكل قسوة وضراوة )) .. والحقيقة أننى فـتشت فى كتب التاريخ عن أثر لتلك الثورات القبطية فى القرن الهجرى الأول أو عصر الولاه أو غيره من العصور ضد الحكم الإسلامى فى مصر .. فلم أعثر لها على أثر ولعل الأستاذ فريد زهران يدلنا مشكورا فى مقال لاحق على المصدر التاريخى الذى استقى منه معلوماته !!

ربما يقصد الأستاذ زهران بحديثه هذا .. الثورة التى قامت فى زمن الخليفة المأمـون عام 216 هـ .. لكن تلك الثورة لم تكن بسبب اضطهاد دينى .. وإنما قامت لأسباب سياسية واقتصادية عامة .. فقد كتب عنها المقريزى يقول : (( لما كان فى جمادى الأولى عام 216 هـ انتفض أسفل الأرض بأسره عرب البلاد وقبطها ، و اخرجوا العمال وخلعوا الطآعة لسوء سيرة عمال السلطان فيهم ، وكانت بينهم وبين عساكر الفسطاط حروب )) .. كان الثورة إذن ثورة عآمة شارك فيها الأقباط النصارى جنبا إلى جنب مع جمهور المسلمين فى مواجهة مظاهر ظلم وفساد .. لكن الذى حدث أن اندثت جماعة من اليونان المهاجرين يدعون (( البـياماى )) فـعاثوا فى الأرض فسادا وارتكبوا أعمالا شائنة .. إذ أحرقوا (( رشيد )) وقتلوا سكانها جميعا .. وكما يقول الشيخ محمد الغزالى فى كتابه (( التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام )) أسرع الخليفة المأمون بالمجىء إلى مصر مخافة أن تكون هذه الثورة طليعة هجوم الأمويون بالأندلس وأعلن عند قدومه عفوا عاما عن الثائرين من مسلمين ونصارى شريطة أن يلتزموا الهدوء .. فأما المسلمون فقد خضعوا .. وأما (( البـياماى )) فقد أصروا على تمردهم على الرغم من أن الخليفة أرسل إليهم البطريك القبطى يطلب منهم التسليم .. فلما رفضوا اضطر إلى إخضاعهم !!

وحقق المأمـون فى أسباب الثورة فرأى الوالى عيسى بن منصور مسئولا عن اشتعالها بسياسته الخاطئة فعزله عن العمل .. وقد حاول بعض الحاقدين على الإسلام فى مثل تلك الثورات التى كانت تندلع لأسباب سياسية واقتصادية تصيب الأغلبية المسلمة قبل أن تصيب الأقلية النصرانية .. أن ينفخوا فيها .. حتى أن بعض المستشرقين أخذوا ينسجون حول حركة البـياماى أوهاما وينسجون من خيالهم المريض ما يثير الضحك والغثيان حول المستنقعات التى يسكنون أطرافها والأحراش التى يختبئون فيها والدروب التى ينقضون منها والهزائم التى ألحقوها بالمسلمين برا وبحرا .. كأنهم على حد تعبـيـر الشيخ الغــــــزالى رحمه الله يصفون قطعة من منطقة الغابات على شاطىء جزيرة فى بحر الظلمات !! 



فلسفــة الأستاذ زهران 

وليس الأستاذ زهران هو أول ولاآخر من يحاول استغلال فترات الإضطهاد والظلم وعسف الولاة واستبداد الحكام التى كانت تصيب الشعب المصرى كله كما قلنا دون تفرقة بين مسلم أونصرانى .. فالحكام المستبدون لايعاملون شعوبهم إلا كمعاملة العبيد حتى ولو كانوا على نفس دينهم .. ولذلك فكثيرا ماتعرض النصارى فى مصر للإضطهاد على يد الرومان المستبدين الغزاة أضعاف أضعاف ماتعرضوا له فى فترات الإضطهاد التى كانت تعم الشعب المصرى كله فى فترة الحكم الإسلامى ، وكثيرا أيضا ماتعرض المسلمون أنفسهم للجور والإضطهاد والتعذيب والقتل على أيدى بعض هؤلاء الولاة والحكام الجائرين !!

ولكن يبدو أنها فلسفة ثابتة فى فكر الأستاذ زهران ومن هو على شاكلته .. فتراه مرة أخرى يجأر من عسف واضطهاد وبربرية وهمجية التيارات الإسلامية المتطرفة نحو الأقباط النصرانى .. وهكذا يحاول مرة أخرى استثمار ماتتعرض له مصر عآمة من هجمات إرهابية وأعمال قتل وسلب بفلسفته الطائفية المغرضة .. لمحاولة الإيهام بأن ثمة اضطهاد دينى ضد الأقباط النصارى .. رغم أن كل واحد فى مصر والعالم أجمع يعلم علم اليقين أن تلك الهجمات البربرية أصابت من رجال الشرطة والمسلمين والسياح الأجانب أضعاف ما أصابت من الأقباط النصارى .. ولكن ربما يرجع اصرار الأستاذ زهران على خصصة الإضطهاد لحساب طائـفـته ..ربما لإعتقاده الخآص بأن دماء الأقباط أزكى من دماء رجال الشرطة والمسلمين وغيرهم !!

وليت الأمر قد وقف عند حد استهجان الأستاذ زهران لما تفعله الجماعات المتطرفة من قتل وسلب وتخريب وإلا لهان الخطب والتمسنا له بعض العذر .. لكن الأستاذ زهران يأبى إلا أن يوجه سهامه الطائفية البغيضة إلى منابر المساجد .. ليست المنابر التى يعلوها المتطرفون والإرهابيون .. بل تلك المنابر التى يعلوها أقطاب الدعوة الإسلامية والموصوفون من الدولة بالإعتدال والمعتمدون من أجهزة الثقافة والإعلام ( حسب تعبيره ) .. ولذلك فهو يقرر أيضا أن اضطهاد النصارى ليس مقصورا على جماعات العنف والتطرف فحسب .. بل يـمتد ليشمل العديد من أجهزة الإعلام والثقافة والتربية وكآفة مؤسسات الدولة .. والمطلوب قطعا وفقا لهذا التفسير الشيوعى والعلمانى والطائفى البغيض والذى يتبناه الأستاذ زهران .. هو تغيير حقائق القرآن بشأن أهل الكتاب و مصادرة الإسلام وتجفيف المنابع الإسلامية والقضاء على الأزهر الشريف وعلماء الإسلام الذين يمثلون ذلك الفكر الذى لايعجب حزب الأستاذ زهران ويتهمه بالتطرف والبربرية .. و الذى يبدو معه كذلك انه غير مقنع حتى الآن بما قامت وتقوم به العصابة العلمانية والشيوعية المجرمة من مصادرة صوت الإسلام والفضيلة وطرد كل من له ميول إسلامية من كآفة المؤسسات و الترويج لكل صور الفحشاء والمنكر والبغى باسم التقدم والتنوير !! 

ولكن هل من حق الأستاذ زهران أن يقيم علماء الإسلام ويحكم على أقطاب الدعوة الإسلامية بالتطرف الفكرى .. أعتقد أن ذلك ليس من اللياقة أو الأدب فى شىء .. بل إن العلمانية التى يدعو إليها الأستاذ زهران تمنع وتجرم مصادرة الفكر حتى ولو كان إباحيا أو ملحدا ، وتحارب مسألة تقييم المفكرين وتجريح فكرهم حتى ولو طالبوا بتغيير لفظ الجلالة والتطاول على الكتب المنزلة !! 

وحتى لو افنرضنا جدلا أن ثمة فكر متطرف يروج له المتطرفون فى المساجد ومؤسسات الدولة .. فهو موجه فى المقام الأول لمؤسسات الدولة ذاتها وللشعب المصرى كله وليس للنصارى وحدهم .. بل فى كثير من الأحيان يصيب كثيرا من جماعات وفرق إسلامية بينها وبين الداعية أو الخطيب خلاف .. لكن الأستاذ زهران بفلسفته الطائفية البغيضة يمارس نفس اللعبة القديمة فى استثمار أحداث الإضطهاد والظلم العآمة و يقصرها فقط على النصارى ليصور حالة كاذبة من الإضطهاد الدينى للأقباط النصارى دون غيرهم !! 

وليت الأستاذ زهران يرفع عنا الحرج و يعفينا من مؤونة تقييم أفكار بعض القساوسة والرهبان والحكم على ما يروجون له من أباطيل وخرافات يأبها العقل السليم ، وليته كذلك يوضح لنا موقفه من آيات العهد القديم التى تدعو إلى قتل المعارضين وسفك دماءهم .. ليته يتحلى بشىء من الشجاعة تحمله على شرح ما يدور خلف الكواليس ، وداخل الأديرة المترامـية فى الصحراء وداخل الكنائس العلنية والكنائس السرية المنتشرة داخل الغرف المغلقة .. ماذا يقولون لأبنائهم وبناتهم حول الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم .. ناهـيك عن النشاطات المريبة لتيارات التبشير والتنصير المستوردة والمحلية ولا عن تيار المسيحية السياسية السائد منذ أوائل السبعينيات داخل الكنيسة رغم وجود تيارات داخل الكنيسة تعارض هذه التوجهات السياسية لبعض رجال الكنيسة المتطرفـين .. اشمعنى هو يعنى يصف علماءنا بالتطــــــــرف !!

الكنيسة .. أكبر تنظيم سياسى فى مصر !!

وتلك الحقيقة الخطيرة قررها العلمانى الراحل فرج فوده فى كتابه (( حوار حول العلمانية )) حيث يقول بالحرف الواحد (( إنه على العكس من تمزق التيار السياسى الإسلامى إلى أجنحة مختلفة وربما متصارعة ، وتوزع ولائه بين قيادات متعددة ومختلفة ، يبدو التيار السياسى القبطى متماسكا بصورة لم تحدث من قبل ، كما أنه يدين بالولاء لقيادة واحدة شرعية هى البابا ، وعلى الرغم من اعتراض الكاتب على قيادة رجال الدين للعمل السياسى فى كل من الجانبين الإسلامى والقبطى ، إلا أن توحد التيار السياسى القبطى تحت قيادة واحدة غير مختلف عليها يمثل نقطة إيجابية واضحة ، لأنه إذا لم يكن ممكنا التحكم فى ( الفعل الإسلامى ) فإنه يمكن التحكم فى ( رد الفعل القبطى ) من خلال إمكانية التفاهم مع قيادته ومساحة التفاهم واسعة من منطلق احساس الأقلية بالخطر وسعيها المبرر لتحجيم المشكلة )) !! 

إذن فنحن وفقا لما قرره واحد من غلاة العلمانية كان يجلس فى الصفوف الأولى لأى إحتفال كنسى .. أمام تنظيم سياسى نصرانى .. له قيادة دينية سياسية يدين لها بالولاء مـلايين من شعب الكنيسة .. أى أننا أمام أكبر تنظيم سياسى دينى فى مصر على وجه الإطلاق .. بل إننا نستطيع أن نقرر يقينا أن النفوذ السياسى والدينى الذى تتمتع به قيادات التنظيم المسيحى الكنسى لايضارعه فى مصر كلها نفوذ أية قيادة سياسية أو دينية أخــــرى !! 

وهذا هو المدخل الحقيقى للرد على ماأثاره الأستاذ فريد زهران وكل الذين يثيرون مايسمى بقضية اضطهاد النصارى فى مصر .. فنحن لسنا أمام أقلـية دينية مضطهدة بسبب الدين .. ولسنا أمام مجموعة من الرهبان والقساوسة والقديسين الذين لايفارقون أديرتهم ولا بيعهم ولاكنائسهم وإلا لما كانت هناك مشكلة البتة .. لكننا بكل تأكيد أمام أكبر تيار سياسى دينى تمثله الكنيسة الوطنية التى تفوق فى سلطانها الروحى سلطان الأزهر الشريف ذاته وهذه حقيقة لايجادل فيها أحد .. تيار سياسى له مؤسساته ومحافله وكوادره وطموحاته السياسية الواسعة !!

الشرارة الحقيقية فى الأحداث الطائفية 

و الطموحات السياسية للكنيسة المصرية والسعى الحثيث لمؤسساتها لتهيئة الأجواء من أجل فرض مشروع سياسى حضارى مسيحى يحاول مصادرة المشروع الإسلامى والصوت الإسلامى ويشارك فى الدعوة إلى تجفيف المنابع الدينية على غرار ما دعا إليه الأستاذ زهران فى مقاله بالأحرار (ذلك المشروع السياسى والحضارى يقف متواريا الآن وإلى حين ميسرة وراء المشروع الحضارى العلمانى ) .. هذه الطموحات ولا أقول الأطماع السياسية .. كانت وماتزال هى التى تمثل لمن يبحث صادقا عن الحقيقة بلا مواربة ولا ضحك على الدقون .. الشرارة الحقيقية وراء أى حديث أو حدث طائفى .. فالذين ينادون بإلغاء الخط الهمايونى وإطلاق اليد لبناء الكنائس .. ليست عندهم أزمة كنائس فعلية ، ولايعانون من تكدس المصلين داخل الكنائس .. ولو كان الأمر كذلك مااعترض أحد على الإطلاق .. ولكن لديهم فى الحقيقة أحقاد ولديهم أطماع سياسية وطموح سياسى .. إنهم لايعانون من أزمة دينية وإنما أزمتهم سياسية .. هؤلاء يريدون زرع أرض مصر بالكنائس ليس من أجل حرية العبادة ولكن لأهداف سياسية فى محاولة منهم لفرض هويتهم الدينية السياسية ، و لتحقيق الطموح الحضارى فى فرض المسيحية على شعب مصر .. والذين يطالبون بتخصيص عدد من مقاعد طائفية للنصارى داخل المجالس التشريعية .. إنما يفعلون ذلك من أجل تدعيم مشروعهم الحضارى فى فرض الشروط الكنسية على الدولة وتهيئة الأجواء للمشروع السياسى المسيحى .. والذين يجوبون بلاد العالم ويقيمون آلاف السفارات الكنسية فى بلاد العالم .. إنما يفعلون ذلك من أجل مشروعهم الحضارى العالمى .. وهكذا !! 

وكذلك فى الأحداث الطائفية .. لاتجد حادثة طائفية واحدة إلا ووراءها محاولة من رجال الكنيسة لتدعيم المشروع الحضارى للتنظيم الكنسى .. يتمثل أحيانا فى محاولة لزرع كنيسة جديدة بالأمر الواقع .. أو شائعة حول نشاط تنصيرى .. أو محاولة لتفسير نصرانى لآيات القرآن الكريم .. أو تعاون مع رجال الأمن تحت دوافع طائفية لبعض متعصبى النصارى ليس حبا فى على ولكن كراهية فى معاوية .. هذه هى دائما الشرارة الأولى لأى حدث طائفى .. ونحن إذ نذكر الأسباب ..فإننا بكل تأكيد لانبرر على الإطلاق ماقد يقع من أعمال عنف وفتنة .. أقول هذا حتى لايصطاد أحد فى الماء العكر .. والأحداث الطائفية التى تقع من مسلمين أو جماعات إسلامية كانت دائما تأتى فى كثير من الأحيان كرد فعل لمحاولة تدعيم نصرانى للمشروع السياسى الكنسى .. ولم يكن النصـــــــــــــــارى أو الكنيسة فى يوم من الأيام هدفا رئيسيا لأى جماعة إسلامية معتدلة أو متطرفة ‍‍ !! 



هل من حق الأقلية أن يكون لهم مشروع حضارى سياسى مستقل !! 

وهنا قد يثور سؤال مهم .. إذا كان للعلمانيين مشروعهم الحضارى الذى يحاولون من خلاله الإستمرار فى السيطرة على مقاليد الحكم فى مصر وصبغ مظاهر الحياة كلها بالصبغة العلمانية .. وإذا كان للإسلاميين مشروعهم الحضارى السياسى الذى يجاهدون من أجله سواء بالسياسة والطرق السلمية أحيانا أوبالعنف أحيانا أخرى من أجل أن يصبغوا مظاهر الإسلام وتعاليم القرآن على مظاهر الحياة المختلفة .. أليس من حق النصارى أن يكون لهم مشروعهم الحضارى الذى يحاولون من خلاله بسط المظاهر المسيحية وتعاليم الإنجيل على الحياة فى مصر لاسيما وأن النصارى هم أهل البلاد الحقيقين حسب الإعتقاد الخاطىء والشائع قبل الفتح العربى أو الإسلامى حسب زعمهم ؟؟ 

الجواب بكل وضوح .. ليس من حق النصارى كأقلـية فى مصر أن يكون لهم مشروع حضارى سياسى دينى مستقل عن المشروع الحضارى للأغلبية .. كما أنه وبالمثل ليس من حق المسلمين فى فرنسا أن يكون لهم مشروع حضارى سياسى لحكم فرنسا .. وطبيعى أنه لن تسمح أية دولة من دول التقدم والتنوير بذلك ولو على جثتها .. ولعل فرنسا بالذات أوضح مثال على ذلك !!

المساواة السياسية المطلقة وهم كبير لاوجود له !!

ولذلك فليس حقيقيا ما ذكره الأستاذ فريد زهران من أن العالم بعد عصر النهضة والتنوير وظهور مواثيق دولية لحقوق الإنسان أصبحت الأقليات فيه تتمتع بنفس الحقوق السياسية التى تتمتع الأغلبية .. بينما بقيت مصر على حالها من التخلف الحضارى على قيم وتقاليد العصور الوسطى .. لأنه لو كان ماذكره الأستاذ فريد زهران حقيقيا فلماذا لايتم إختيار رئيس الولايات المتحده الأمريكية إلا من خلال حركة الصهيونية المسيحية التى تسيطر على مجمل الحياة السياسية فى أمريكا .. ولماذا لايتصور أحد حتى الآن أن ينتخب رئيس وزراء بريطانى لاأقول مسلما وإنما أرثوذكسيا أو كاثوليكيا .. وكذلك الحال فى فرنسا وايطاليا وفى كل بلدان العالم المتحضر .. وارجو من الأستاذ فريد زهران أن يذكر لنا مثـــالا واحدا لهذا العالم المتحضرالذى يشيد به و الذى يسمح لغير الأغلبية بتولى قيادة الأمة .. ولماذا يطالب المسلمون دائما بأن يتخلوا عن الدفاع عن مشروعهم الحضارى السياسى النابع من تعاليم دينهم .. وأن يسلموا قيادهم السياسى لمن يحاول عرقلة مشروعهم الحضارى المستمد من ثوابت دينهم و يفرض عليهم مشروعه السياسى الحضارى الدينى أو اللآدينى ، والذى يحولهم على مدار الأيام والسنين إلى أقليات ولدينا أمثلة كثيرة لبلدان تحول فيها المسلمون من أغلبية حاكمة إلى أقلية محكومة كما هو الحال فى قبرص ولبنان ومالطة والأندلس ويوغوسلافيا سابقا وبلدان كثيرة اندثرت فيها الشعوب المسلمة نهائيا !! 

المجتمع الذى يتحدث عنه الأستاذ فريد زهران إذن مجتمعا وهميا لاوجود له فى الحقيقة إلا فى ذهن بعض الذين يريدون مخالفة حقائق الإجتماع .. والأمل معقود على تخلى هؤلاء عن المطالبة بأية حقوق سياسية من شأنها هدم أو مجابهة المشروع الحضارى للأغلبية !! 

إشكالية جامعة الأزهر !!

والأستاذ فريد زهران يردد ما سبق أن رددنا عليه ويتساءل عن المسلم الذى يستطيع دراسة الطب بمجموع درجات أقل من زميله المسيحى فى جامعة الأزهر ويطالب بكليات مسيحية مماثلة .. وهذه القضية لم يعد لها وجه للأدعاء اليوم .. بعد أن فقدت مبررات إثاراتها فى ظل عشرات الجامعات الخآصة .. الذى يستطيع فيها الغنى سواء أكان مسلما أو مسيحيا أن يلتحق بكلية الطب بمجموع 50 % بينما لايستطيع الفقير سواء أكان مسلما أو مسيحــــــيا أن يدخــــــــــــل كلية الطب ولو حصل على مجموع 96 % !!

ثم إننا كررنا أكثر من مرة أن المطالبة بعودة الأزهر مرة أخرى إلى تدريس العلوم الشرعية فقط هو مطلب ملح للتيار الإسلامى .. وكثير من المنتمين للتيار الإسلامى يعتقدون أن تطوير الأزهر وإدخال التعليم المدنى إليه مؤامرة دبرها الناصريون لتدمير الأزهر .. فليست هناك أية دوافع طائفية من وراء ذلك وهذا هو الذى يهمنا اثباته هنا !! 

ثم إننا لو اتفقنا أصلا على أن المشروع الحضارى للأغلبية مهما كان دينها هو الذى يجب أن يسود .. وأنه لاحق للأقلية فيه مهما كان دينها فى فرض تصوراتها وقيمها على الأغلبية .. فإنه يكون من حق أصحاب المشروع الحضارى المسيطر حينئذ أن يختص ببعض المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية لتدعيم مشروعه الحضارى وكوادره المستقبلية !!

و أسباب أخرى للشعور الكاذب بالإضطهاد !!

ويبقى معنا سبب آخر لابد من الإشارة إليه بشكل سريع .. وهو اعتقاد البعض من الأقباط النصارى أن الإسلام دين طارىء على البلاد وفد عليها مع فاتحين غرباء .. وهذه مزاعم كما يقول الشيخ الغزالى مضحكة .. فإن كلتا الديانتين جاءت مصر من الخارج .. ولو كان من حق أهل بلد أن يطردوا الأفكار الغريبة عن بيئتهم لأنها ليست أفكار مواطنيين أصلاء .. لوجب إخراج المسيحية والإسلام معا من مصر ولو وجبت إعادة البلاد عن عجل إلى حظيرة الوثنية المحضة التى تعبد فيها الأصنام وتقدس العجول !!

وفى النهاية يهمنا أن نحذر و ننبه إلى ضرورة التفرقة عند الحديث عن العلاقة بين الأغلبية الدينية والأقلية بين ثلاثة جوانب تحكم تلك العلاقة : 

جانب إنسانى يجب أن يتساوى فيه جميع أبناء الوطن بصرف النظر عن دينهم أو جنسهم .. وجانب إيمانى يجب على المجتمع حمايته و لايجوز الإكراه فيه بأى حال من الأحوال .. وجانب سياسى وهومايمثل الإشكالية الحقيقية التى حاولنا من خلال الرد على الأستاذ زهران توضيح الأمر فيها .. هذا الجانب السياسى هو الذى نختلف فيه مع الأستاذ زهران .. لأننا نعتقد كما أوضحنا أن الإنصياع الطآعة السياسية لثوابت الأمة ومشروعها السياسى المعبر عن إرادة وعقيدة الأغلبية ينبغى أن تدين بها كآفة الجماعات و الأقليات الدينية والعرقية .. وإذا كانت الطاعة الدينية بين العبد وربه محلها القلب ولاسلطان لأحد فيها على أحد .. فإن الطاعة السياسية تجب على كآفة أفراد المجتمع ولو بقوة القانون .. وقد حددت النصوص الشرعية فى الإسلام الموقف فى كل جانب من تلك الجوانب ولكن يحلو للبعض الخلط بينها ويستدل بها فى غير موضعها ‍‍.. وهذا الخلط هو أيضا أحد أسباب الشعور الكاذب بالإضطهاد !! 



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

بقلم : محمد شعبان الموج
TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *