النتائج المبهرة التي ترتبت على قيام ثورة 25 يناير .. أعمتنا وأخرستنا وغيبت وعينا .. حتى انصرفنا عن محاولة معرفة الحقيقة التي قامت عليها الثورة .. من الذي فكر ، ومن الذي دبر ومن الذي فجّر .. وكيف كانت تدار، ومن أين كانت تدار .. إلى آخر هذه التساؤلات المنطقية والمهمة والتي يجب أن تطرح الآن وبقوة .. وليس هذا ترفا فكريا أو ثقافيا أو تنظيرات في الهواء أو محاولة للفذلكة .. بل هي ضرورة ملحة لمعرفة إلى أين تتجه مصر فإذا عرفنا البداية .. عرفنا إلى أين يريد أن يقودنا أصحاب الضربة الأولى ومفجرو الثورة .
لقد قامت هذه الثورة على " كذبة كبيرة " صدقناها جميعا بعد أن أفقدنا مشهد سقوط الفرعون بعد سبعة آلاف سنة القدرة على التفكير والبحث .. وفرحنا جميعا لتحقق هدفا وحلما طالما سعينا وسعت عشرات الحركات والجماعات والكتاب والمفكرين إلى تحقيق عشر معشاره ..
صدقنا أن من فجر هذه الثورة هم مجموعة من شباب النت الذين كانوا يعبثون على صفحات الفيس بوك ويتبادلون النكات ومقاطع الفيديو والصور .. ثم فجأة نزل عليهم الوحي وأمرهم بالتجمع في ميدان التحرير وفي عدة ميادين أخرى وحشد ملايين الناس واستغلال " آلية التظاهر السلمي والاعتصامات " للضغط على نظام الحكم وإسقاطه باسلوب جديد لم نسمع به من قبل ، يعتمد على رفع سقف المطالب وهو مبدأ غيرأخلاقي بالمرة وأشبه مايكون بالمرابي الذي يرفع الفائدة على القروض كلما تأخر المقترض عن دفع ماعليه من دين .. فإذا هم بالدفع طالبه المقرض بدفع المزيد .
والحقيقة أننا ورغم نجاح الثورة في اسقاط حكم استبدادي مجرم إلا أننا كنا مغفلين أو مغييبين ونحن نصدق ذلك .. ولكن سرعان ما تبدد هذا الوهم وانكشفت تلك الكذبة ونحن نرى جماعات عنكبوتية لها ألف رأس تحركها بطريقة منظمة ومحكمة وغريبة في شعاراتها وفي طريقة تحقيق مطالبها وفي الثقة الغريبة التي يتمتع بها قادتها العنكبوتيون ، وهم يرفعون سقف مطالبهم في الوقت الذي هرولت فيه جماعة الإخوان والأحزاب الميتة إلى عمر سليمان والمجلس العسكري فرحين بمجرد الجلوس مع هؤلاء القادة .. في الوقت الذي تعامل فيه مفجرو الثورة مع ما تحقق بصلف وكبرياء واستعلاء وثقة مفرطة وطلب المزيد الذي لاينتهي ولايمكن تفسيرها إلا أنها كانت تستقوي بالإدارة الأمريكية التي كانت تحذر مبارك من اطلاق طلقة واحدة عليهم .. لكنها كانت تثبت في كل مرة أنها الصوب والأقدر على تحقيق المطالب ..
لم تكن ثورة يناير مجرد تظاهرة سليمة أو اعتصام احتجاجي كالذي نراه في العالم كله .. بل كانت " تظاهرة ثورية " لإسقاط نظام حكم ، وعلى النظام ألا يواجه ذلك حتى ولو برش المية على اعتبار أن رش المية عداوة .. بل عليه أن ينصاع ويترك حكم البلاد لهذه الحركة المجهولة التي لايعرف أحدا من بدأها بل ويتفاخر الجميع بأن من عبقرية تلك الثورة أنها كانت بلا قائد .. وهؤلاء القائلون بذلك مغفلون أغبياء .. لأن الطريقة المحكمة الواثقة المستقوية لايمكن أن تكون عشوائية بحال من الأحوال .. بل لايمكن إلا أن يديرها تنظيم سياسي وشبه عسكري محنك .. له كوادره التي أطلت علينا ومازالت .. بشكل يومي على الفضائيات .. يتحدثون بطريقة واحدة .. ويفكرون بطريقة واحدة .. مما يؤكد يقينا أنها كوادر تربت وتخرجت من مدرسة واحدة .
وقد تبين ذلك بالفعل .. أن مفجري الثورة بلا أدنى شك هم ضمن جزء لايتجزأ من تنظيم دولي قديم بواجهة وأهداف حديثة .. تنظيم ككل تنظيمات الماسونية له وجهان أحدهما فيه الرحمة والآخر من قبله العذاب .. وجه بناء لإسقاط النظام الاستبدادي الفاسد .. ووجه هدام آخر لبناء مصر على أسس ماسونية وغربية تحت لافتة مدنية مدنية .. وهذه هي الخطورة الحقيقية .. فهدم واسقاط نظام مبارك أمر واجب ومرحب به ، وهو الذي على أساسه خرج الشعب المصري كله عن بكرة أبيه مؤيدا ومناصرا وثائرا ومضحيا بنفسه .. وهذا لاخلاف عليه حتى وإن تدرب هؤلاء الشباب على السلاح في جهنم الحمرا .. فقد أوصلنا حكم مبارك الفاسد إلى الفقر والكفر والانتحار والاستعداد للتحالف مع الشيطان في سبيل الخلاص .
ولو وقف الأمر عند هذا الحد .. لما استنكرنا قيام هذه المجموعات بالتدرب في صربيا أو أسبانيا أو أي دولة في العالم كله .. لكن المشكلة أن الجهات الماسونية والصهيونية التي قامت بتدريب هؤلاء الشباب على كيفية التغيير السلمي واستخدام قوى الشحن والحشد للانقلاب على السلطة واسقاط النظام .. ( في كل مظاهرة تجد شابا أو فتاة تمسك برصاصتين أو بفارغ قنبلة مسيلة للدموع واظهارها أمام شاشات الفضائيات وقد ظهر ذلك جليا في معركة العباسية حينما ارتفعت بعض الأصوات بالتحريض الرخيص أمام شاشات الفضائيات لإثبات أن الجيش يستخدم العنف والرصاص الحي لتفريق المتظاهرين ) أعود فأقول بأن هذه القوى العالمية التي دفعت الأموال واستضافت هذه المجموعات الشبابية وتكفلت بكل مصاريف الرحلات مع منحهم مصروف جيب .. وكذلك تلك الأموال الطائلة التي دفعتها للمجموعات الحقوقية ولبعض الفضائيات والصحف المصرية .. لم تكن لتفعل ذلك من أجل سواد عيوننا ولا من أجل الوقوف عند حدود المرحلة الأولى ، وهي مرحلة " إسقاط النظام " الذي أجمع الجن والإنس على أنه فاسد ومتعفن .. بل مازالت تلك القوى التي لاتعمل لوجه الله .. حتى يومنا هذا تستقطب المزيد من الشباب وتتلقى مئات الطلبات لتلقي الدعم .. تريد أن تستكمل المرحلة الثانية وهي مرحلة بناء دولة على أسس ليبرالية ومدنية يحكمها أمثال البرادعي واحمد ماهر وجورج اسحق وممدوح حمزة وغيرهم وغيرهم أي ببساطة يريدون كرزاي جديد يحكم مصر ليسهل تقسيمها حسب الهدف الأخير والحقيقي لتفجير مثل تلك الثورات .. والأنفصال والتقسيم في ظل دولة ليبرالية لاتعبأ برأي الأغلبية أسهل من شكة الدبوس .
أو على أقل تقدير ينجحون في اسقاط هوية مصر الإسلامية .. وهذا الكلام ليس وهما ولا خيالا .. بل حقيقة واقعية نستخلصها من اثارة الخلاف حول المادة الثانية من الدستور وحول مدنية الدول وحول ليبرالية الدولة مع أن الملايين لم تخرج من بيوتها من أجل أن تقول نعم أو لا للمادة الثانية التي لم تشكل يوما ما مشكلة للشعب المصري .. ولم يخرجوا من أجل مدنية ولا ليبرالية ولا غيرها .. بل خرجوا من أجل البطالة وطلب القوت .. لكن مفجرو الثورة كانوا بالفعل أذكياء جدا حينما نجحوا في التفاعل مع الشعب بكل أطيافه وشرائحه وخلط هدفي المرحلتين .. في الوقت المناسب ، وبالحجم المناسب ، وبالهتافات التوافقية .. وبسياسة الكر والفر ..
لكن ظهور التيارات الإسلامية في الميدان والوعي الكامل للمجلس العسكري الذي أدرك الحقيقة وأمسك بخيوط المؤامرة منذ البداية .. واستعان بالتيار الإسلامي وأفرج عن جميع التيارات الإسلامية ، حين لم يجد ملاذا للحفاظ على هوية مصر إلا بالاستعانة بهؤلاء الإسلاميين وحثهم إلى تكوين أحزاب بمرجعية إسلامية ، رغم كل العلل والأمراض التي يعانون منها .
ولذلك جاءت خارطة الطريق التي رسمها الجيش لتفويت الفرصة أمام منفذو المرحلة الثانية للثورة .. بينما استمات مفجرو الثورة لاستكمال المرحلة الثانية .. في الوقت الذي يتساءل فيه الأغبياء عن سبب انفراد المجلس بالقرارات .. وعن معنى كلمة سيادة اللواء الفنجري الوقوف بحزم دون محاولة القفز على السلطة .. وهو يقصد يقينا الدعوة الخبيثة لإنشاء مجلس رئاسي يرأسه كرزاي مصر ، ولذلك أيضا نجد أن مفجري الثورة يسارعون الخطى ويصارعون الزمن من أجل سرعة تحقيق الأهداف الخبيثة للمرحلة الثانية مستندين في ذلك إلى رصيدهم الكبير الذي حققوه في المرحلة الأولى التي لم يختلف عليها أحد كما قلنا .. بل أصبحت تمثل في الوعي المصري ثورة شعبية لها قداستها بكل معنى الكلمة .. أي مرحلة " اسقاط النظام " ..
ويظهر ذلك جليا أيضا في الضغوط المتزايدة والاستماتة والاضراب عن الطعام والضغط على الحكومة الانتقالية لتحقيق التغييرات الجوهرية في شكل الدول المصرية لإسقاط الهوية الإسلامية أو تفريغها من مضمونها .. ووضع دستور جديد أولا .. وقوانين لدور العبادة الموحدة ... وغيرها من القوانين الشائكة التي لايمكن لعاقل أن يطلب تحقيقها من حكومة عمرها لن يتجاوز الستة أشهر .. ليصادروا بذلك رأي الأغلبية والمجالس النيابية قبل أ، تنتخب ، والتي ستكون معبرة بشكل كبير عن إرادة الشعب .. فهم كما قلنا الآن في صراع مع الزمن .. لتحقيق أهداف المرحلة الثانية ..
ولأن هذه الحركة تربية صهيونية ماسونية فدائما يكون لديها البدائل جاهزة .. ولكن الزمن ليس في صالحهم كما قلنا .. ولذلك اتسمت مطالبهم في الفترة الأخيرة بالرعونة وافتقرت إلى اللياقة وإلى التعقل وإلى الرزانة التي عرفوا بها من قبل .. فطالبوا بشكل متسرع بمجلس رئاسي يحكمه البرادعي .. هكذا حتة واحدة ودون الرجوع للشعب .. وأرادوا أن يشكلوا الوزارة ..
ثم لما أحسوا بالفشل بدأوا في مرحلة الصدام مع الجيش .. مادام الجيش لايريد الانصياع لمطالبهم اللازمة لإتمام المقاولة أو السبوبة الماسونية والصهيونية .. فبدأوا بإغلاق المجمع وهددوا بإغلاق القناة وقطع الطرق وغيرها وغيرها لعلمهم أن الجيش لن يسكت وأنه سيضطر في النهاية إلى إطلاق الرصاص الحي وهو منتهى أملهم .. فلما نجح الجيش في التعامل بذكاء مع هذه الأعمال التخريبية الخسيسة .. بدأوا في مرحلة الصدام المباشر مع مراكز القيادة ووزارة الدفاع ذاتها .. فخرجوا في مظاهرة العباسية الأولى والثانية والتي يجب أن يتوقف عندها المخلصون والعاقلون كثيرا.... وليس فقط أمام تداعياتها فهذا استغفال كبير للشعب وللحقيقة .. وفي ذات الوقت ظل مفجرو الثورة أو من ينوب عنهم معتصمين في التحرير لعلمهم أنهم في أيامهم الأخيرة .. والتي ستنتهي بانتخاب مجلسي الشعب والشورى .. ولذلك هم يماطلون كثيرا من أجل تمديد تلك الفترة الانتقالية حتى يتمكنوا من تحقيق أهداف المرحلة الثانية التي تحدثنا عنها يساندهم في ذلك بعض الفضائيات التي طالها من الحب جانب وأصبحت بوقا مقززا للتغطية على حقيقة مفجري الثورة .. وعلى حقيقة الدعم سواء ما تقوم به بعض مذيعات التوك شو .. أو بعض ضيوفهم المأجورين .. من إهانة ممنهجة للجيش المصري ، وللمجلس العسكري والتغطية والتشويش على مسألة التمويل الأجنبي دون أن يمنحوا أنفسهم الوقت لدراسة الموضوع .. فكيف لحركة غير رسمية أن تتقاضى دعما وتمويلا من المخابرات الأمريكية ، وأن يذهب أفرادها زرافات وجماعات للتدريب على الحشد والضغط والتغيير السلمي .. دون أن نفترض افتراضا إمكانية استخدامهم لتحقيق أهداف هدامة .. لكن المنافقين يسارعون بالدفاع عنهم ونفي التهمة دون تفكير أو روية ..
كما كان يجب أن يتوقف العقلاء أيضا عند خبر القبض على عشرات من قذائف الآر بي جي الخاصة بمقاومة المصفحات والمدرعات والدبابات للتأمل في أهدافها ؟
وأخيرا أقول إن النتائج الرائعة التي تحققت في المرحلة الأولى للثورة .. يجب ألا تشغلنا عن خبث الأهداف المرجوة من المرحلة الثانية والتي تستهدف أولا توريط الجيش المصري في الصدام مع الشعب .. وتوجيه الإهانات له ولرجاله .. واهدار كرامته بالتظاهر والاعتصامات أمام أسوار وزارة الدفاع ومراكز القيادة .. فتسقط هيبة الجيش وتسقط الدولة ذاتها ، ويتم تقسيم مصر حسب المخطط القديم .. واسقاط الهوية الإسلامية .. وتعيين مجلس رئاسي يرأسه كرزاي ثالث .. وعلى شباب 6 ابريل وغيرهم من مفجري الثورة إن كانوا بالفعل مخلصين للوطن أن يتوقفوا عند حدود المرحلة الأولى لاسقاط نظام الحكم الفاسد .. وأن يشاركوا في بناء مصر العربية والإسلامية . .حتى لايتحولوا من ثوار إلى خونة .
بقلم : محمد شعبان الموجي
mmogy@hotmail.com

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق