^ يقول المفكر الإسلامى وحيد الدين خآن .. (( إن الدليل الذى يقنعنى بصدق هذا الدين هو أن عقولا مثالية منا - بعد أن تركت الدين - قد أخذت تهذى بكلمات لاحقائق وراءها ، وتعمه فى تيه الظلام ، ذلك أن الإنسان بعد أن يفقد أساس الدين لايجد أساسا آخر لأفكاره ، والأسماء التى تأتى فى قوائم المعارضين أكثرها من عقولنا الكبيرة ، ولكنهم بعد أن تخلوا عن الدين راحوا يكتبون ضروبا مـن اللـغو غآية فى الإهمال والتمرد حتى أننى أتحير - أحيانا - فلا أفهم كيف صدرت هذه الكلمات عن قلم رجل من العلماء )) .. وهذا الكلمات تذكرتها وأنا أقرأ حوارا صحفيا أجرته جريدة العربى الناصرى مع د. سيد القمنى .. حول العديد من قضايا الإسلام والعلم والحريات .. وقد آثرت وأنا فى سبيلى إلى ابداء رأيى أن أبدأ بتوجيه ركله على الماشى حتى اسقط تلك القباب المقدسة الزائفة التى يضربها هؤلاء - المتمردون على الدين - حول أنفسهم باسم العلم ، والعلم منهم برىء براءة الذئب من دم ابن يعقوب !!
ركله على الماشى
^ يقول الدكتور القمنى معلقا على قضية الإعجاز العلمى فى القرآن : (( أن التلميذ يدرس فى حصة أحكام خلق الكون فى ستة أيام ثم يدخل حصة الكيمياء والبيولوجى فيجد أنها خلقت فى ملايين السنين فلماذا لانجعله محل اعتقاد وايمان وأدرس كيف تم الخلق بالطريقة العلمية حتى ولو كان بها مخالفة واضحة وصريحة لما جاء فى النصوص القرآنية ؟؟)) !!
لقد ظن الدكتور العبقرى أن ثمة تناقض بين الـقولين .. وأنه قد أمسك الإسلام من ( يده التى توجعه ) .. مع أن الآية التى تقرر مدة خلق الكون فى ستة أيام هى قمة الإعجاز العلمى .. لأن أى تلميذ فى الإبتدائى يدرس أن الزمن يقاس بدوران الأرض حول نفسها وبدوران الأرض حول الشمس .. وبالتالى فإنه من البديهى لكل عاقل أنه عند خلق الكون لم تكن ثمة سماء ولا أرض ولا شمس ولاكواكب ولا دوران ولاليل ولا نهار ولاسنة ولاشهر ولا يوم كالذى نعرفه ولايحزنون .. فالنظام الذى ينشأ عنه الزمن الذى نعرفه ويعرفه الإنسان منذ بدء الخليقة لم يكن موجودا بالضرورة قبل أو عند خلق الكون .. بل الزمان نفسه مخلوق مع بداية خلق السماء و الشمس والأرض فكيف يظن الدكتور أن أيام خلق الكون الستة المذكورة فى القرآن لابد وأن تماثل أيامنا التى نقيس بها أعمارنا على ظهر هذا الكوكب .. وخذ مثلا .. معراج الملائكة مثلا بين السماء والأرض أمر حادث خارج نطاق المجموعة الشمسية ، ولذلك فإن زمن معراجهم لايقاس بالزمن الذى نعرفه ، والناشىء كما قلنا عن دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ، وقد صرح القرآن الكريم نفسه بهذه الحقيقة التى تؤكد كما قلنا على الإعجاز العلمى فى القرآن .. يقول الله تعالى ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) الآية 5 السجدة.. وفى آية أخـــــــرى ( تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) الآية 4 المعارج .. ولذلك أيضا فإن الله عزوجل لايسأل أين هو ولا متى كان لأنه خالق الزمان والمكان .. فاليوم فى القرآن قد يقاس بالسنين أى عكس ما هو حادث على كوكبنا .. فقد يساوى ألف سنة وقد يساوى خمسين ألف سنة .. وبالتالى فإن الأيام الستة التى خلق فيها الكون كما ورد فى القرآن قد تساوى بالفعل ملايــين السنين .. فأين هو التعارض ياعبقرى !!
^ ثم إننا نريد أن نعرف .. هل يريد الدكتور تدريس هذه النظريات المتعارضة مع القرآن على أساس أنها حقائق تصحح أباطيل القرآن حسب زعمه .. أم على أساس أنها مجرد نظريات علمية تتعارض مع الوحى المعصوم ؟؟ أم يريد أن يعيش طالب العلم نفس الإزدواجية التى يعيشها اليوم الطلاب فى الغرب .. بين مايسمعونه فى الكنيسة من تفسيرات .. وبين ما يدرسونه من نظريات ؟؟
الإعجاز العلمى فى القرآن
^ والقمنى يناقض نفسه أشد ما يكون التناقض .. حينما يزعم أولا خلو القرآن من أية اشارات عن حقائق علمية .. على اعتبار أن النظريات العلمية متغيرة .. فى ذات الوقت الذى يتحدث فيه عن خطأ علمى موجود فى القرآن يتعارض مع ما يدرس فى الكيمياء والبيولوجى !! .. ففى كلامه هذا على الأقل اعتراف صريح منه على أن القرآن قد تحدث على الأقل فــــى قضية علمية تتعلق بنشأة الكون فى ستة أيام .. وهو مايبطل زعمه نفسه بنفسه !!
^ والإعجاز العلمى فى القرآن حقيقة تتأكد كل يوم رغم أنف القمنى وأشباهه .. لكن القمنى يحاول تبرير موقفه الرافض هذا من خلال الخلط عن عمد أو جهل بين اتجاهين تفسيرين يتعلقان بقضية الإعجاز العلمى فى القرآن .. اتجاه شاذ مرفوض من غالبية علماء المسلمين .. تبناه قديما حجة الإسلام الغزالى الذى كان يرى أن القرآن يحوى سبعة وسبعين ألف علم ومائتى علم وقد عقد فصلا فى كتابه جواهر القرآن لبيان كيفية انشعاب سائر العلوم من القرآن .. ولقد أبطل الشاطبى فى الموافقات هذا الرأى وساق على ذلك أدلة لامجال لذكرها هنا .. وعد الشيخ حسين الذهبى رحمه الله هذا الإتجاه فى التفسير من الإتجاهات التفسيرية المنحرفة !!
^ وأما الإتجاه الثانى الأكثر شيوعا الآن والذى نراه هو الحق .. والذى كانت تعنيه صاحبة الحوار مع القمنى .. أن القرآن تحدث بالفعل عن حقائق الكون ومشاهده ودعوته إلى النظر فى كتاب الكون وآياته التى بثها فى الآفاق وفى أنفسهم .. ولاشك أن هذا الإتجاه الثانى يرى أن تناول القرآن لهذه الحقائق لايراد منه إلا رياضة وجدانات الناس وتوجيه عامتهم وخآصتهم إلى مكان العظة والعبرة ، ولفت أنظارهم إلى قدرة الله ودلائل وحدانيته .. أى من جهـة ما لهذه الآيات والمشاهد من روعة فى النفس وجلال فى القلب لامن جهة مالها من دقائق النظريات وضوابط القوانين .. فالهدف الأسمى الذى يرمى إليه العلماء الذين يتصدون لتفسير بعض الآيات القرآنية تفسيرا علميا .. هو محاولة التوفيق بين تلك الآيات وبين ما جد وما يجد من نظريات وقوانين علمية تقوم على أساس من الحق وتستند إلى أصل صحيح .. يريد أصحاب هذا الإتجاه أن يثبتوا أن القرآن رغم مرور أكثر من أربعة عشرة قرنا من الزمان لم يتمكن أحد من اثبات أية أخطاء علمية فيه .. ولو أنه كان كلاما بشريا لكان هذا ضربا من المستحيل .. ولم يزعم أحد بخلاف الغزالى وبعض أصحاب الإتجاهات التفسيرية المنحرفة أن القرآن كتاب كيمياء أو طب أو هندسة !!
^ ثم إن القمنى لم يقف عند حد انكار الإعجاز العلمى فى القرآن وإلا لهانت المصيبة .. لكن المصيبة الأعظم أن يحاول ( القمنى ) بجهله الذى بيناه آنفا أن يثبت أن ثمة تناقض كبير بين الحقائق العلمية وبين ما ورد فى القرآن .. كما حاول من قبل فى مشروعه العلمى العظيم الذى سينقذ مصر والعالم الثالث من براثن التخلف أن يثبت أن قصة أبى الأنبياء ابراهيم عليه السلام - والذى وصفه القمنى بأنه مؤسس الكذب فى المنطقة - والــتى وردت فى التوراه والقرآن أكذوبة لم يثبتها التاريخ بعد !!
ركله أخرى على الماشى أيضا
^ ويهذى سيد القمنى بكلمات أخرى يتعجب المرء أيضا كيف يمكن أن تصدر عن استاذ جامعى .. حيث يقول : (( الإسلام حاجة والعلم حاجة ثانية خالص .. ألإسلام محله القلب ، والعلم محله العقل )) .. هذا الهذيان الذى يردده القمنى كالببغاء .. يؤكد على أن القمنى جاهل أولا بمعنى القلب المقصود فى القرآن !!
$ فقد كان يجب على القمنى صاحب المشروع العلمى العظيم أن يقدم لنا تفسيرا ماديا وعلميا يوضح من خلاله أولا معنى عباراته أن الإسلام محله القلب .. فين يعنى بالضبط .. فى الأذين الأيمن أم الأيسر أم فى البطين الأيمن أم الأيسر .. فالقلب المقصود فى القرآن ياعبقرى - وبعيدا عن لخبطة الفلاسفة - .. معناه العقل المستنير .. يقول الله تعالى : { إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو الشهيد } .. لأن القلب المادى الذى نعرفه مركب فى البهائم ولامؤاخذة يادكتور .. ثم إننى أتحداك ياقمنى لو قدمت لنا هذا التفسير المادى ، وماهية ( القلب ) المقصود فى القرآن والذى تقول أنه محل الإسلام .. وجعلته من ثم فى مقابل ( العقل ) مع أنهما شىء واحد !!
$ ثانيا : وأما قولك بأن العلم محله العقل .. فدليل كذلك على أنك جاهل ولامؤاخذة بالتطور الذى صار إليه العلم .. فالعلم كما يعرفه أساطين الفكر الغربى يتصل بالمشاهدات والخبرات اليومية المباشرة ليستخرج منها مبادىء .. أما العقل فهو يتصل بالبديهيات الجلية ليستخرج منها فلسفة .. والعلم والعقل بعد أن كانا متوحدين فى الماضى فى عصر نيوتن وأرشميدس وفيثاغورث .. بدأ فى التنافر والتباعد .. فهناك أشياء يثبتها العلم ولكنها غير معقولة .. يقول فيليب فرانك موضحا تلك الحقيقة (( وضع مبادىء نستطيع أن نستنبط منها تطبيقات وحقائق مشهورة هو ما نسميه اليوم ( علما ) والعلم لايهتم كثيرا بما إذا كانت هذه المبادىء معقولة أم لا .. فهذا أمر لايعنى العالم كعالم ، وفى كثير من الكتب الدراسية نجد ماينص على أنه ليس من المهم إطلاقا أن تــــكون هذه المبادىء معقولة )) .. فقولك ياعبقرى أن العلم محله العقل خطأ علمى فاحش .. لأن الصواب أن يقال أن العلم محله المختبرات والمشاهدات ووظيفته تقديم الإجابة على السؤال (( ماهذا ؟؟)) .. وأما الدين والعقل فمحلهما تقديم الإجابة على السؤال (( ولكن لماذا ؟؟ )) .. الدين يقدم الإجابة من خلال الوحى المعصوم الذى تضافرت الأدلة المادية على صحته .. وأما الفلاسفة أو ( العقلانيون ) فيحاولون تقديم الإجابة على ذات السؤال من خلال الأفكار والوساوس التى تطرأ على عقولهم فى لحظات التأمل والصفاء الذهنى على شواطىء البحار أو فى أماكن قضاء الحآجة ولامؤاخذة حيث تكثر الشياطين !!
^ ومن هنا نستطيع أن نفهم تداعى الأطروحة التى يفسر من خلالها القمنى سبب تخلفنا .. وهى حسب زعمه أننا نحيل كل الأحداث فى الواقع إلى الله .. إلى العالم الخفى فتكون النتيجة أنه لن ندرك الجاذبية الأرضية حينما تسقط التفاحة على الأرض لأنه يرى السبب فى السماء .. وهنا أيضا لنا وقفات :
$ فلو كان هذا السبب الذى ذكره القمنى صحيحا .. فلماذا لم يكتشف كل الناس فى الغرب قانون الجاذبية ولماذا لم يلحظوا سقوط التفاحة على الأرض .. لماذا لم يدركها سوى نيوتن وحده .. إلا أن يكون للعلم أهله وخآصته .. فليس كل الغرب على هذه الوتيرة .. ثم إن أحدا من المؤمنين بالتفسير الغيبى للأحداث لم يمنع عالما أو طالب علم من النظر والتأمل والإبتكار والإختراع .. والقمنى نفسه يؤكد فى حواره مع العربى الناصرى أنه منذ نكسة يونيو وهو يحارب التفسير الغيبى للأشياء .. فمن الذى أمسك عقله ويده عن الإبتكار والتأمل والإكتشاف فى كل تلك المدة التى تزيد على الثلاثين عاما .. والتى تكفى لقيام حضارة أعظم من حضارة اليابان .. لماذا تنكب عن الخوض فى هذا الطريق العلمى .. واختار لنفسه نفس المجال ونفس القضايا الفلسفية التى يتناولها علماء الدين والفلاسفة .. والتى تختلف جذريا عن القضايا التى تشغل مختبرات العلم ومعامله وأبحاثه والتى هى السبيل الوحيد للنهضة والتقدم المادى .. وإذا كان مصطفى محمود لم يقدم شيئا فى مجال العلم فمالذى قدمته أنت ياقمنى منذ أكثر من ثلاثين عاما !!
^ ولاننكر أننا فى الشرق نحتاج بالفعـــــــــــــل إلى الملاحظة والإكتشاف والمشاهدة لمعرفة ( ماهذا ؟؟) .. إلا أننا نؤكد كذلك على أنهم فى الغرب فــــــى حآجة أيضا وبنفس الدرجة إلى معرفة ( ولكن لماذا ؟؟) .. لأن كلاهما مكمل للآخر ولازم من لوازم الإنسانية .. فنيوتن مثلا بعد أن اكتشف قانون الجاذبية لم يدرك ماهيتها لأنها فى النهاية أمر غـيبى لم يستطع العلم حتى يومنا هذا ادراكه ، ولهذا كتب نيوتن نفسه فى خطاب أرسله إلى ( بنتلى ) قائلا : (( إنه لأمر غير مفهوم أن نجد مادة لاحياة فيها ولا أحساس وهى تؤثر على مادة أخرى مع أنه لاتوجد أية علاقة بينهما )) .. ولذلك يبقى السؤال الذى يشغل بال الإنسان ( ولكن لماذا ) ؟؟
العلم يعتمد أيضا على مسلمات غيبية
^ ثم إن القمنى وأشباهه من الذين يعيبون علينا الإيمان بالغيب .. لايدركون أن العلم فى النهاية يقوم على مسلمات غيبية لايتصورها العقل .. أهمها الماهـية والجوهر .. ماهية الطاقة والقوة والطبيعة وقانون الطبيعة وماإلى ذلك .. والجوهر الذى انبثق عنه هذا الكون الذى يسميه الماديون ( الطبيعة ) ويسميه المؤمنون ( الله ) !! وإذا كان القمنى يصر بعد ذلك كله أن ( العلم محله العقل ) .. فليقبل منا هذا التحدى ، وليقدم لنا تفسيرا علميا يقبله العقل لمفهوم اللانهائية الكونية .. أى لو تخيلنا أنفسنا وقد انطلقنا بصاروخ أو مركبة فضائية نخترق بها أقطار السموات والأرض .. فلن يكون بمقدور عقولنا ادراك حائط نهائى يقف عنده الصاروخ أو المركبة الفضائية بل سيظل يسير إلى مالانهاية .. أى إلى اللامحدودالذى ليس له تصور عقلى أو تفسير علمى !!
^ و بعد أن تأكد لنا الفرق الجوهرى بين التفكير العلمى والتفكير العقلى .. نستطيع أن نكشف النقاب عن مقدار الغش والتدليس حينما يقدم لنا القمنى نفسه ( كصاحب مشروع علمى ) يعمل على نشره كما يقول فى الحوار .. والصواب أن يقول أنه ( صاحب مــــــــــشروع عقلى ) تعتريه وساوس وأفكار مغلوطة ناقصة مشوشة يحاول من خلاله تقديم إجابات بديلة تصطدم غالبا بتلك التى الإجابات التى نص عليها الوحى المعصوم .. أو بمعنى أكثر وضوحا .. القمنى يحاول كغيره من العلمانيين تقديم دين بديل .. مع العلم بأن القمنى وأشباهه ليس لديهم جديدا يقدموه لنا فى هذا المشروع المزعوم الذى هو فى الحقيقة ليس سوى مسخا ونسخا لآراء ومذاهـــب غربية عفى عليها الزمن !!
^ وليس صحيحا ماذكره القمنى من أنه يرى أن وظيفة الدين فقط أن يتزوج فى الحلال .. لأن القمنى ومن هم على شاكلته لم يتركوا حتى هذه الأمور التى تتعلق بالأحوال الشخصية ناهيك عن قضايا الحلال والحرام ووضعية المرأة وزيها والعرى والإختلاط الفاحش إلى آخره .. إلا وأرادوا أن يهدموها أيضا .. ففى نفس الحوار يهاجم القمنى آيات الميراث المحكمة .. ويهاجم الصلاة المعروفة .. ويرى أنها بمعناه المتواتر المعروف للكآفة غير واجبة .. حتى الختان والزواج .. الجدل العلمانى حوله لم ينقطع .. بل يعتبر العلمانيون أنفسهم فى صراع وحرب شعواء فى سبيل هدم كلمة الدين حتى فى قضايا الزواج والطلاق !!
الرق فى الإسلام
^ و من المفارقات العجيبة التى نذكرها قبل الحديث عن الشبهات التى أثارها القمنى فى حواره حول الحريات والرق .. أن القمنى نفسه يدعو صراحة إلى عودة الرق .. بصورة أسوأ بكثير من التى كانت سائدة قديما .. فالدكتور المحترم ينعى على الأمة أنها استجابت لصوت التطرف فمنعت ( الموديل الطبيعى ) من كليات الفنون الجميلة .. وطبيعى أن أى رجل لديه أثارة من شرف لن يرضى أن تقف أمه أو اخته أو ابنته عارية تماما وفى الأوضاع التى يختارها طالب الفنون الجميلة أو أى فنان لكى يرسمها على الورق بكل قسمات جسدها وثنياته .. لن يرضى بذلك الوضع إلا مخنث أو فاجر .. ولن يكون بمقدور أى طالب فى الفنون الجميلة أو الرسام أن يصطاد فريسته إلا من أوساط الفقراء والمعدمين .. كى يشترى أعرضهن بثمن بخس .. وهذا ما كان يحدث بالفعل فى الماضى .. فقد كان الطلاب يلجأون إلى عاملات النظافة والدادات الفقيرات فى الكلية لكى يقمن بتلك المهمة اللآإنسانية بعد أن يقبضن الثمن بالساعة واليوم والأسبوع !! هذا هو مايدعو إليه الدكتور المحترم الذى نرجو أن يقدم لنا القدوة فى هذا المجال ويحل مشكلة طلاب الفنون الجميلة مع الموديل الطبيعى .. هذا هو الذى يتباكى على موقف الإسلام من الرق وينتقد عدم تحريمه بشكل قاطع مثلما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير .. ويسقط كل هذا الفقه العظيم لتحرير الإنسان من العبودية ولايجد سوى مقولة أن الفقهاء يساوون بين نفقه العبد والبهيمة ؟؟ !! ويتساءل عن مصير 23 آية تتحدث عن ملك اليمين ؟؟
^ ورغم أن تلك القضية التى أثارها المستشرقون منذ زمن وقتلت بحثا .. إلا أننا نستطيع أن نؤكد على أن الإسلام ومنذ اللحظة الأولى قد قضى وإلى الأبد على جميع المظاهر غير الإنسانية للرق .. ولم يكن لهذا الأمر محل للمساومة أو الترقيع أو التأجيل أو المجاملة لأى قوى اجتماعية أو سياسية فى المجتمع .. لأن أى مساومة أو مجاملة أو تأجيل .. معناها المساومة على صلب الدين وأساس الرسالة التى جاءت لتعلن على الكون كله .. أنه لاإله إلا الله ولا معبود بحق إلا الله .. والمساومة فى هذا الأمر غير متصور ة على الإطلاق من النبى صلى الله عليه وسلم .. و علو شأن بلال وصهيب وسلمان وزيد .. ووقوفهم صفا واحدا جنبا إلى جنب إلى جوار أبى بكر وعثمان وعمر أكبر دليل على ما نقول .. لقد قضى الإسلام كما قلنا ومنذ اللحظة الأولى على كل معانى العبودية ليس بين الأحرار وبين العبيد فحسب بل بين الأحرار أنفسهم .. لقد عامل الإسلام ( الرقيق ) معاملة أفضل وأكرم من معاملتكم للخدم ولبعض الذين يقومون بأعمال ممتهنة فى زمن حقوق الإنسان هذا .. إن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم هو الذى قال عن ملك اليمين (( إخوانكم خولكم .. جعلهم الله تحت أيديكم .. فمن كان أخوه تحت يده .. فليطعمه من طعامه ، وليبسه من لباسه ، ولايكلفه مايغلبه .. فإن كلفه مايغلبه فليعنه ، ومن لايلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله )) .. فمن منكم يقبل أن يأكل خادمه مما يأكل أو أن يلبس مما يلبس ؟؟ .. والنبى صلى الله عليه وسلم نهى عن أن ينادى الرجل ملك يمينه بعبدى وأمتى .. ولكن أمرهم بأن يقولوا فتاى وفتاتى .. وهو مايؤكد على أن الإسلام قد قضى نهائيا ومنذ اللحظة الأولى على كل معانى الرق والعبودية .. ولم يبق إلا الصورة ( الإجتماعية والقانونية ) التى تحد من حرية هذه الطائفة .. على عكس ما حدث فى الغرب .. فقد قضى الغرب بالفعل على الصورة الرسمية للرق ولكن بقيت حقيقة الرق بكل معانى العبودية والإمتهان للآدمية باقية حتى يومنا هذا .. بل ازدادت سوءا عن ذى قبل .. وأصبحت المرأة تشترى بالساعة وعن طريق الكتالوجات وفى فاترينات المحلات فى شبكات الرقيق الأبيض .. وتشترى فى السينما والمسرح وفى عروض الأزياء وعلى شواطىء البحار .. ناهيك عن مظاهر التفرقة العنصرية التى مازالت آثارها ماثلة للعيان فى المجتمعات الغربية والتى تعد إحدى أهم مظاهر العبودية والرق التى تقوم على أساس الإعتقاد بتمايز البيولوجى بين الأجناس والدماء البشرية .. وهو الأمر الذى قضى عليه الإسلام من أول لحظة .. ولم يكن ملك اليمين قائما فى يوم من الأيام على مثل تلك التفرقة .. والدليل على ذلك أن العبد بمجرد أن يكاتب سيده أوينال حريته بالعتق .. ينخرط فوريا فى مجتمع الأحرار دون أية أثار بيولوجية أو نفسية رجعية .. بل إن الفروق بين مجتمع الأحرار ومجتمع العبيد زالت تماما بعد فترة وجيزة من البعثة المحمدية رغم وجود بعض الصور القانونية .. ولكن ورغم كل ما قدمنا !!
لماذا لم يحرم الإسلام الرق بشكل قاطع ؟؟
^ هذا هو السؤال الذى طرحه القمنى ليمسكنا من يدنا التى توجعنا .. مع أن الدارس للحالة الإجتماعية السائدة يومها لهذه الطائفة يدرك تماما الحكمة الألهية التى أبقت على بعض تلك الصور القانونية الإجتماعية التى تنتقص من أهليتهم فقط دون آدميتهم وإنسانيتهم كما قدمنا ولذلك لم يبق فى الرق إلا ناقصو الأهلية الذين لم تمكنهم قدراتهم الجسدية واستعدادتهم النفسية بالفعل من الإستقلال والحرية .. لاسيما بعد أن فتح الإسلام ولأول مرة فى التاريخ باب المكاتبة أمام هؤلاء البشر ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) .. أى إن علمتم قدرتهم على الحياة الحرة الكريمة بأهلية كاملة .. فلم تعد أمام هؤلاء العبيد مشاكل أو عوائق تحول دون خروجهم من أسر العبودية .. فمن بقى منهم فى الرق بقى لـعدم القدرة على العمل أو الإستقلال .. ولذلك لم يكن الإنعتاق من الرق مطلبا ملحا عند ملك اليمين .. ولم ينقل لنا التاريخ الإسلامى أية شكوى أو احتجاج اجتماعى !!
^ و( الأمة ) فى الإسلام كانت لسيد واحد تأوى إليه (( بكلمة الله )) .. لها حقوق وعليها واجبات .. فإن أنجبت له صارت حرة .. وأصبح أولادها أحرارا .. لكن الكثيرات منهن لو كن قد خرجن عن نظام الرق يومها .. لأصبح للأمة الواحدة ربما مآئة سيد .. وفى الغالب الأعم كانت ستصبح مشاعا مستباحا لكل كلب والغ .. فلا حقوق ولا واجبات ولا حفظ أنساب .. !!
إذن فالإسلام لم يحرم الرق تحريما قاطعا .. لأن الحالة الإجتماعية لتلك الطائفة لم تكن تسمح بذلك .. مما كان سينتج عنه اضطرابا كبيرا فى المجتمع !!
^ لكن الحكم على الإسلام بالفشل فى القضاء على الرق .. مخالف لحقائق التاريخ .. فعندما تم إلغاء الرق بشكل قانونى رسمى فى العالم .. لم يتجاوز فى البلاد الإسلامية أكثر من 2 مليون .. بينما تجاوز عددهم فى أمريكا وحدها أكثر من 30 مليون .. رغم مخالفة كثير من المسلمين لوصايا الإسلام فى مسألة الرق !!
^ بل إن سياسة الإسلام مع الرق كما يقول العقاد رحمه الله .. قد أدت بالمماليك إلى التمكين أكثر من مرة من حكم الدولة الإسلامية ذاتها وهو مالم يحدث فى التاريخ البشرى كله .. وكذلك من اللافت للنظر أن أكثر امهات الخلفاء العباسيين اللآئى حظين بكل معانى الإحترام والتوقير من الأمة كانوا من ملك اليمين .. مما يؤكد ما سبق أن قلناه من أن الإسلام قد قضى ومنذ اللحظة الأولى فى مكة على كل معانى العبودية ولم يبق إلا الصورة وفى أضيق الحدود .. حتى أننا لانجد آية قرانية واحدة أو حديثا شريفا يدعو أو يحض أو يحبذ أو يندب إلى الرق .. حتى كتب الفقه لم تعرف بابا اسمه الرق .. وإنما اشتملت على أبواب العتق والمكاتبة والمدابرة والكفارات وغيرها من الأبواب التى تشجع على سياسة العتق لاسياسة الرق !! فالقرآن تعاملت آياته مع ماهو موجود بالفعل .. والسنة النبوية حرمت استرقاق الأحرار .. إلا ماكان فى حرب دينية .. وبشرط التعامل بالمثل .. ولذلك فإن بقاء آيات التعامل مع الرق ( رغم أنها لاتنشأ وضعا جديدا ) سيفا مسلطا على أعداء الله وعلى أى احتمال لحرب دينية وهو أمر غير مستبعد على الإطلاق فى ظل هذه العقائدوالأساطير الصهيونية التى تجيز استرقاق الأعداء .. وإذا كان كثير من الناس يرى أن عودة الرق فى الحروب أمر مستبعد .. لكن أحدا ولاالدكتور القمنى نفسه ايستطيع أن يجزم بالدليل المادى والبرهان الجازم عدم استرقاق اليهود والصليبين للمسلمين فى المستقبل .. ، وتبقى هذه الآيات التى تتعامل مع ماكان قائما بالفعل من حالات الرق دليلا على عظمة هذا الدين فى التعامل مع أكثر القضايا الإجتماعية تعقيدا .. مثلها فى ذلك مثل الآيات التى كانت تحرم الخمر بشكل جزئى .. ومثل الآيات التى كانت تأمر بضرب المرأة وحبسها فى البيت إن أتت بفاحشة .. ومثلها مثل الآيات التى كانت تأمر المآئة بأن يقاتلوا ألفا وهذا فى القرآن كثير !!
هل يؤمن القمنى بالكتب السماوية !!
^ نقطة أخيرة .. لقد تحدث القمنى عن أن ايمانه بالله والملائكة والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره فيه الكفاية .. وهو بكل اسف قد نسى أن يذكر ضرورة ايمانه أيضا ( بالكتب السماوية ) وبهيمنة الرسالة المحمدية الممثلة فى القرآن الكريم والسنة الشريفة .. على كآفة الشرائع السابقة .... و حتى هذه المقدمات الإيمانية التى يعلن القمنى أنه مؤمن بها يخالفها وينقضها فى كثير من كتاباته والأمثلة كثيرة ولكن يضيق بذكرها المقام .. ولكن وكما قلنا فى أول مقالنا .. إن هؤلاء الناس حينما يفقدون أساس الدين لايجدون أساسا آخر لأفكارهم !!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بقلم : محمد شعبان الموجى


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق